الإمكانات والمحددات المرافقة لاستجابة المستهلكتجاه السلع الزراعية المنتجة وفق مفاهيمالإدارةالمتكاملة الآفات في العالم العربي

الإمكانات والمحددات المرافقة لاستجابة المستهلكتجاه السلع الزراعية المنتجة وفق مفاهيمالإدارةالمتكاملة الآفات في العالم العربي

أ. د. عبد الستار عارف علي
استاذ الادارة المتكاملة للآفات الزراعية
قسم وقاية النبات/ كلية الزراعة/ جامعة الانبار

 

إن التقدم النوعي الذي شهده القطاع الزراعي بعد الحرب العالمية الثانية ساعد على تحقيق زيادة كبيرة في كميات الإنتاج الزراعي وحصول الاكتفاء الذاتي من محاصيل زراعية مهمة في العديد من دول العالم بضمنها بعض الدول العربية. الا أن التلوث البيئي الذي رافق استعمال المركبات الكيميائية دفع الكثير من أفراد المجتمع غير العاملين في القطاع الزراعي إلى اتخاذ مواقف سالبة تجاه تطبيقات الزراعة الحديثة. لكن بعد عقد السبعينات من القرن العشرين ومع التطور المعنوي في تطبيقات برامج إدارة الآفات والتوجه نحو برامج الإنتاج المتكاملة Integrated Production (IP) حصل انخفاض معنوي في كميات المبيدات المستعملة وصار الاتجاه نحو الابتعاد عن المواد والمبيدات واسعة الطيف الخطرة على البيئة والصحة العامة واستبدالها بمواد أكثر أمانا وذات تخصص نوعي تجاه الآفة المستهدفة. غير ان هذا التغير لم يكن له اثر معنوي في انطباع المستهلك والمجتمع نحو الزراعة في العديد من دول العالم بضمنها معظم البلدان العربية.كما أن قناعة المستهلك على مستوى دول العالم حول خطورة المواد الكيميائية تتباين تبعا لعدد من العوامل منها البلد، العمر، الثقافة العامة وكذلك عدد الأطفال في العائلة. حيث أن استجابة المجتمع الأسيوي تختلف عن استجابة المجتمعات الأوربيةأوالإفريقية والأمريكيةالجنوبية أوالشمالية وغيرها. لذلك قامت العديد من الجهات المعنية بسلامة المستهلك والبيئة بإجراء استبيانات في مختلف بلدان العالم لاستطلاع آراء المستهلكين بالمواد المستعملة على السلع الزراعية وكانت النتائج أن المستهلك في معظم المناطق التي شملها الاستبيان يشجع المنتجات التي تستعمل فيها مواد آمنة أو طبيعية صديقة للبيئة Ecological friendly substances في الزراعة وانه يرغب بشراء منتجات تحمل مثل هذه المواصفات . حيث تزود السلعة الزراعيةبمعلومات توضيحية أو إرشادات مكتوبة على ملصق صغير يثبت على عبوة المنتج. هذا الاهتمام دفع بعض المؤسسات في عدد من دول العالم نحو اصدار شهادات لمثل هذه المنتجات في مسعى لجلب أنظار المستهلكين الذين يقومون بقراءة التعليمات والإرشادات قبل أن يشترون البضاعة. إن المعلومات المتوفرة عن انطباع المستهلك ومخاوفه تجاه السلع الزراعية المنتجة في أنظمة إدارة الآفات كانت محدودة في بداية السبعينات من القرن الماضي لكن مع الوقت اخذ المجتمع بجميع أطيافه خاصة في الدول المتقدمة يتقبل الفكرة ويعرف الفائدة المتحققة عن تطبيق برامج إدارة الآفات وأصبحت لديه معلومات عن كيفية عمل برامج إدارة الآفات. وصار هناك إقبال على شراء المنتجات التي تحمل ملصق عليه معلومات توضيحية خاصة بمواصفات تلك المنتجات. حصل هذا الاقبال لدى كل الجهات المستفيدة من مستهلكين ومخازن أغذية وتجار السلع الزراعية. لكن عندما ادخل مفهوم الزراعة العضوية أصبحت المنتجات العضوية تحتل المرتبة الأولى بالنسبة لرغبة المستهلك وقد يكون هناك تنافس تسويقي بين منتجات الادارة المتكاملة ومنتجات الزراعة العضوية تبعا لخاصية السعر ونوعية المنتوج.
أن التحدي الذي يجابه منتجات أنظمة إدارة الآفات خاصة في الدول النامية هوالكيفية التي يتم بها تثقيف المستهلك لكي يستوعب أهمية العلامة البيئية المستعملة مع العبوات التسويقية للسلع الزراعية ولكي يحصل مثل هذا الاهتمام يحب أن تكون المعلومات المكتوبة في العلامة واضحة وتستند على أسس بيئية مع وجود خصائص أو معايير تعتمد لتقييم وتصديق الحاصل. استعملت العديد من المعايير لتقييم منتجات أنظمة إدارةالآفات، قسم منها يعتمد على المدخلات وقسم يعتمد على المخرجات وقسم آخر يعتمد على قياس مسالة إكمال المزارع لتطبيقات الإدارة المتكاملة وكذلك مسالة التزام المزارع بالبرنامج المقترح. بينما نجد قسم من الأنظمة يعتمد على قياس عدد مرات استعمال المبيدات أو عدد المبيدات المستعملة وعلاقتها بالمخاطر المتسببة عن كل منها. في حين قامت جهات أخرى باعتماد دليل يجمع بين المعاييرالمذكورة مثل Wisconsons Protected Harvest Guidelines (WPHG(حيث يحتوي على معلومات تتعلق بدليل مخاطر المبيدات ومتبقياتها مع دليل للمدخلات المتعلقة بتطبيقات وتقانات إدارة الآفات التي استعملها المزارع.
قامت بعض المراكز العلمية والرسمية في مختلف دول العالم بإصدار تعليمات وأسس خاصة بشهادات التصديق مبنية على معايير معتمدة وضعت بأسلوب مبسط يفهمه المستهلك ويلبي المتطلبات البيئية والصحية بالوقت نفسه. إذ أن الحقل المشمول يخضع لمتابعة مستمرة كما ان إجراءات الخدمة تكون مرنة بحيث يمكن إدخال أية مستجدات وحذف عناصر معينة من برنامج إدارة الحقل حسب متطلبات المرحلة. قد تختلف نظرة المزارع إلى الجهة التي تقوم بمنح شهادة التصديق التي يمكن أن تكون من القطاع الخاص أو من مؤسسات رسمية وهذا يعتمد على قناعة المزارع نفسة والبلد المعني. كما ان التوضيحات التي تكتب على ورقة التعليمات Eco – label تعد واحدة من القنوات المهمة لتوعية المستهلك حول السلعة المستهدفة وتساعده على التغلب على العديد من العقبات أو الإشكالات المتعلقة بفهم منتجات أنظمة إدارة الآفات. أماالأسلوب الآخر للتوعية فيمكن أن يتم من خلال برامج تدريسية معينة توضع ضمن المنهاج التدريسي للطلبة في مراحل دراسية معينة. تجدر الإشارةإلىإن بعض الحكومات المحلية في الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول العالم قامت بإصدار تشريعات تلزم المدارس على تطبيق برامج تتعلق بإدارة الآفات وتوثيق إجراءاتهم. حيث يمكن للمتلقي أن يفهم معنى إدارة الآفات وفوائدها.
كما تعد قنوات التوعية الحديثة المتمثلة في شبكة المعلومات العالمية (الانترنيت ) من اهم وسائل التوعية والثقيف وساهمت فينشر قسم من أسس ومعايير التصديق ضمن مواقع معينة على هذه الشبكة لتكون بمتناول اكبر عدد من المستفيدين منها مواقع International Organization of Biological Control (IOBC) و Integrated Production (IP) وIntegrated Fruit Production (IFP) حيث بدأت الفكرة خلال قد الثمانينات من القرن العشرين من اجل التعريف بمنتجات أنظمة إدارة الآفات وكانت البداية مع بعض أنواع الفاكهة (IFP) ثم توسعت لتشمل العديد من أنواع الفاكهة متساقطة الاوراق وأنواع من الفاكهة الاستوائية ومحاصيل حقلية وخضار مختلفة فضلا عن منتجات حيوانية متنوعة. كما أصبحت المعايير الموضوعة تحت عناوين IP و IOBC تمثل الإطار العام للأسسوالمعايير المعتمدة لدليل التصديق الذي يستعمل في كل منطقة أو بلد. تجدر الاشارة الى أن برنامج تصديق ثمار أو حقول التفاح بولاية واشنطن الأمريكية الذي يسمى Responsible Choice (RC) يعد أول برنامج للتصديق شمل عدد من مزارعي التفاح في الولاية وهذا البرنامج يعتمد أساسا على المعايير الموضوعة فيIFP و IOBC مع إدخال فقرات تتعلق بالتأثير البيئي للمبيدات المستعملة. في الدول الاوربية صدرت برامج تصديق مماثلة ومن ابرزها البرنامج الذي استعمل في بريطانيا الذي يهدف إلى ربط البيئة بالزراعة يسمى (Linking Environment and Farming (LEAF)).يركز على تشجيع الاهتمام بالجانب البيئي لبرامج إدارة الآفات واعتمد بالدرجة الأساس على دور المزارع نفسه في تقدير التبعات البيئية والاقتصادية المرافقة لمتبقياتالمبيدات المستعملة أو التي يحتمل أن تستعمل في إدارة المزرعة..حقق هذا البرنامج نجاحا كبيرا في المناطق التي نفذ فيها حيث يوجد العشرات من المزارعين المتعاونين بهذا الخصوص تحصل حقولهم على شهادات تصديق وتحمل المنتجات علامة مميزة مثل منتجات طازجةFresh Produce.
اما في الدول العربية، هناك تجارب ناجحة في مجال انتاج وتسويق البضائع الزراعية المنتجة ضمن برامج الادارة المتكاملة للآفات والزراعة العضوية. الا ان مسالة استجابة المستهلك العربي تجاه هذه المنتجات وتسويقها محليا لا تزال محدودة في معظم الاقطار العربيةشانها شان العديد من دول العالم الاخرى وخاصة النامية منها وذلك قد يعود الى واحد او اكثر من العوامل التالية :
1. الحواجز المؤسساتية التي قد تحصل بين مجاميع المزارعين والجهات التعليمية (الجامعات ) والمؤسسات الحكومية وقد يكون الدعم الحكومي للترويج لمثل هذه البضائع محدود او غير موجود اصلا.
2. عدم وجود تحفظات جدية في نظرة المستهلك إلى المنتجات الأخرى لتجعله يقتنع بان تلك السلع غير جيدة أو أنها سيئة.
3. أن عملية عرض البضائع في مراكز التسوق قد لا تكون مناسبة للدفع باتجاه الترويج لمنتجات إدارة الآفات بسبب تنوع المنتجات البديلة ووفرتها التي عادة تتأثر بالوقت من السنة والأسعار المحددة لكل منتج مما يعطي المستهلك التصور الكافي لاختيار ما يناسبه دون الاهتمام بمسألة وجود علامة إدارة الآفات أو عدم وجودها.
4. إن استعمال اسم الإدارة المتكاملة وغيرها من المصطلحات التي تكتب على الملصق رافقته عدد من التساؤلات تتعلق بتقبل المستهلك لمنتجات الإدارة المتكاملة خاصة في بداية الامر حيث أن قسم من المستهلكين يعتقد أن هذه المسميات غريبة ومعقدة يصعب عليهم فهمها وانهميعتقدون ان مفهوم الإدارة المتكاملة غير متناغم مع رغباتهم الحصول على احتياجاتهم من السلع المختلفة بأسعار منطقية وبأسرع وقت ممكن.
لذلك فان نجاح واتساع الترويج للسع الزراعية القادمة من حقول خضعت لبرامج إدارة الآفاتيعتمد على الوعي الشعبيفقي البلد المعني الذي يكون باتجاهين الأول يتعلق بالمنتجين وهو يركز على تثقيف المزارعين وتدريبهم على استعمال تقانات إدارة الآفات فضلا عن إشراكهم في النشاطات وربما الأبحاث الحقلية من اجل تعميق القناعة لديهم حول جدوى تطبيق وسائل إدارة الآفات وأثرها في زيادة الإنتاج وخفض المخاطر الصحية والبيئية. من ابرز وسائل التوعية وأكثرها فعالية كانت مدارس المزارعين(الفلاحين) الحقلية Farmers Field Schools (FFS). أما الاتجاه الثاني فانه يتعلق بالمستهلكين الذين يجب أن يكون لديهم الوعي الكافي عن مخاطر المبيدات ومتبقياتها في المنتجات الزراعية وعن الفوائد التي يمكن ان تحققها تطبيقات ادارة الآفات وانعكاسها على كمية ونوعية الانتاج. اما النشاطات التي تخص توعية المستهلكفيمكن أن تكون من خلال وسائل الإعلام أو من خلال الندوات التثقيفية والجمعيات المعنية بحماية البيئة لإيضاح مخاطر المبيدات على الصحة العامة والبيئة. الا ان هذه الجهود قد لا تكفي لوحدها لتعزيز القناعة لدى المستهلك سواء كان في الاقطار العربية او في سائر دول العالم لذلك فان الحاجة تبقى مستمرة باتجاه تقوية اواصر التعاون بين الجهات المعنية في كل بلد مع المنظمات والمؤسسات العالمية ذات العلاقة التي تسعى لنشر مفهوم إدارة الآفات وتطبيقاته فضلا عن رفده بكل مستجد وحديث بما يحقق استدامة الإنتاج الزراعي والفائدة التي تتطلع إليها كل المجتمعات في دول العالم على مدار السنين القادمة.