مكانة مقاومة النبات العائل للحشرات في العالم العربي

مكانة مقاومة النبات العائل للحشرات في العالم العربي

لا يمكن إنكار حقيقة أن مقاومة النبات العائل (HPR) من أكثر طرائق مكافحة الآفات والأمراض اقتصادية وسلامة للبيئة. المقاومة “مضمنه” في البذور، وبالتالي لا يوجد كلفة أو جهد إضافي للزراع عند استخدام الأصناف المقاومة، على عكس خيارات الإدارة الأخرى كالمكافحة الحيوية ومبيدات الآفات الحيوية وغيرها، فقد يدفع الزرّاع مبالغ إضافية لشراء الأعداء الطبيعية أو مبيدات الآفات الحيوية لمكافحة الآفات في حقولهم. وعلى الرغم من المنافع الواضحة للعيان في استخدام الأصناف المقاومة لمكافحة الآفات، فان جهود تربية النبات المبذولة للبحث عن مصادر المقاومة وتطوير الأصناف المقاومة لا تزال محدودة على الصعيد العالمي. هل من سبب وجيه لذلك؟ ربما بسبب التركيز أكثر على التربية ضد الأمراض. بالطبع، نتفق جميعاً على أن الأمراض أكثر أهمية من الحشرات. لكن، وتبعاً للمنطقة، هناك بعض الحالات التي تكون فيها أضرار الحشرات تعادل أو تفوق بعض الأمراض. على سبيل المثال ثاقبة قرون الحمص (Helicoverpa armigera Hubner) في أفريقيا وجنوب شرق أسيا، وحشرة السونة (Eurygaster integriceps Puton) على القمح في غرب ووسط أسيا. أضف إلى ذلك أن التعامل مع العدوى الاصطناعية وتقويم الأصول الوراثية وتربية السلالات لمقاومة الأمراض أسهل بكثير مقارنة بالحشرات.

مقاومة النبات العائل للآفات الحشرية تقدمت حقيقة بعد نشر العالم Painter كتابه “مقاومة الحشرات في نباتات المحاصيل” عام 1951. عرّف الدكتور Painter في هذا الكتاب، المقاومة الوراثية للحشرات، كما وصّف أيضاً أنماط المقاومة المختلفة (التضاد الحيوي، المقاومة أو عدم التفضيل والتحمل)، والتي دعاها في ذلك الحين آليات المقاومة.
الحشرة الأولى التي دُرست كثيراً خلال هذه الفترة كانت ذبابة هس ((Mayetiola destructor (Say) على القمح، حيث حُددت مصادر مقاومة لهذه الآفة واستخدمت في برامج التربية. كذلك دُرست العوامل الوراثية للمقاومة في القمح وعند الآفة بشكل موسع، حيث ظهر التآثر مورثة مقابل مورثة في الحشرات لأول مرة على ذبابة هس في القمح. مقاومة القمح عالية الفعالية ضد ذبابة هس تمت من خلال مورثات المقاومة المعروفة باسم مورثات H (H genes)، وبالتالي فإن قدرة ذبابة هس للتغلب على المقاومة الناتجة عن المورثة H تُمنح من خلال الطفرات في مورثة مناظرة غير شرسة. عُرِّف حتى الآن أكثر من 37 مورثة مقاومة لذبابة هس ونُشرت العديد من الأصناف المقاومة في الولايات المتحدة الأميركية. الحشرات الأخرى التي أنجز تطور جيد في مجال مقاومة النبات العائل هي مَن القمح الروسي (Diuraphis noxia Kurdjumov)، على محصولي القمح والشعير في الولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا، ومَن النجيليات ((Schizaphis graminum (Rondani) على القمح في الولايات المتحدة الأميركية وذبابة أزهار القمح البرتقالية ((Sitodiplosis mosellana (Géhin) في كندا.

ما هو وضع مقاومة النبات العائل لحشرات الحبوب والبقوليات الغذائية في العالم العربي؟
مقاومة النبات العائل للحشرات كجزء من العمل الذي يقوده المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، بالتعاون مع شركائه في شمال أفريقيا وغرب ووسط آسيا، لا تزال حديثة العهد. في شمال أفريقيا وغرب ووسط آسيا، يعد العمل في المغرب على تربية القمح لمقاومة ذبابة هس رائداً. في إطار التعاون الوثيق بين المعهد الوطني للبحوث الزراعية (إنرا)، في المغرب، وإيكاردا، وجامعة ولاية كنساس، في الولايات المتحدة الأمريكية، تم تعريف أكثر من 10 مورثات مقاومة والعديد من مصادر المقاومة في القمح وأقاربه البرية واستُخدمت في برامج التربية. كذلك أُطلقت العديد من أصناف القمح الطري والقمح القاسي التي تحمل مقاومة لذبابة هس في المغرب. كما طورت إيكاردا، بالتعاون مع شركائها، أصولاً ورائية تحمل مقاومة لمن القمح الروسي في القمح الطري والشعير ولحافرة أوراق الحمص ((Liriomyza cicerina (Rondani)، وتمت مشاركة هذه الأصول الوراثية
مع المستخدمين على نطاق واسع وفي جميع أنحاء العالم.

مقاومة النبات العائل يجب أن تعد حجر الأساس في برامج الإدارة المتكاملة للآفات (IPM)، وعليها تُبنى إجراءات الإدارة الأخرى للوصول إلى استراتيجيات مكافحة مستدامة للآفات. التطورات الأخيرة التي تحققت في مجال التقانات الحيوية، وتطوير المؤشرات للسمات المختلفة، واستنساخ مورثات المقاومة وما إلى ذلك، من شأنها تسهيل عمليات التربية لمقاومة الحشرات. كما ذكر أعلاه، فإن التنميط الظاهري لمقاومة الحشرات يستغرق وقتاً طويلاً والكثير من الجهد، وبالتالي فإن تحديد واستخدام الواسمات الجزيئية لمقاومة الآفات الرئيسة سيوفر بالتأكيد الكثير من الوقت والجهد في التنميط الظاهري الحقلي و/أو ضمن الدفيئة.

مع الأخذ بعين الاعتبار المزايا العديدة التي تتمتع بها مقاومة النبات العائل، أشعر شخصياً أن مؤسسات الأبحاث في العالم العربي يجب أن تضع المزيد من الجهود والموارد في مجال المقاومة الوراثية للآفات الحشرية. إن استخدام الأصناف المقاومة للآفات الحشرية يجب أن يسهم في تعزيز إنتاجية محاصيلنا الأساسية وحماية بيئاتنا الهشة في ذات الوقت.

مصطفى البوحسيني، خبير الحشرات الرئيس
المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ايكاردا)، الرباط، المغرب